الجنوب اليمني: غرفة الأخبار
«سيلفيك لن يبدو جميلًا بعد أن تعرف ما يفعلونه في السودان؟»
بهذا السؤال الصادم تبدأ الحكاية في أحد أكثر شوارع لندن ازدحامًا، حيث تتوقف العيون قبل الخطى أمام لوحة إعلانية عملاقة لا تبيع منتجًا، بل تضع ضمير العابرين في مواجهة مشهدين متناقضين.
اللوحة، التي عُرضت مؤخرًا في قلب العاصمة البريطانية، تحكي قصتها بصمت متكرر كل نحو 80 ثانية. حيث تظهر صورة لامرأة تلتقط “سيلفي” في مسبح فاخر، وخلفها أفق ناطحات السحاب في دبي، غير أن شاشة هاتفها تكشف رواية أخرى؛ دمار ودخان كثيف يُرجح أنه ناجم عن قصف في السودان، ذلك البلد العربي الذي تمزقه الحرب ويغرق في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا.
لا تكتفي الرسالة بالمشهد البصري؛ لتأتي العبارة المرافقة “سيلفيك لن يبدو جميلاً بعد أن تعرف ما يفعلونه في السودان” فتدعمها لتكتمل ثم تُعاد صياغتها على جانبي سيارة متنقلة تجوب وسط لندن، وكأن الإعلان يلاحق المدينة نفسها، موسعًا دائرة التأثير ومحولًا الفضاء العام إلى ساحة مساءلة سياسية.
وعند الاقتراب أكثر، يقود رمز الاستجابة السريعة (QR Code) إلى تقارير ومقالات صحفية تناولت دور الإمارات في الحرب السودانية، من بينها مواد نشرتها صحف دولية مثل “ الغارديان البريطانية” و“نيويورك تايمز الأمريكية”، ناقشت خيوط الصراع وتعقيداته في بلد يدفع المدنيون فيه الثمن الأكبر.
أنه حراك توعوي نشط لكن من يقوده ؟!
وفقًا لمصادر محلية رصدتها “اذاعة مونت كارلو الدولية” فإن هذه الخطوة تأتي ضمن حملة تقودها منظمة “أفاز” المعنية بالتعبئة العالمية لقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، بالتعاون مع مجموعة “لندن من أجل السودان”، بهدف لفت انتباه الرأي العام البريطاني والدولي إلى ما تصفه الحملة بدور إماراتي في الصراع، في ظل تقارير تتحدث عن دعم لقوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة.
وتكتسب الحملة بعدًا رمزيًا إضافيًا مع تزامنها مع بيانات صادرة عن دائرة الاقتصاد والسياحة في الإمارات، تفيد بأن أكثر من 1.04 مليون شخص من المملكة المتحدة زاروا دبي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، وكأن الرسالة تخاطب السائح قبل السياسي، والمستهلك قبل صانع القرار.
في المقابل، تنفي الإمارات بشكل قاطع أي تورط لها في الحرب السودانية. غير أن تقارير دولية وتحقيقات استخباراتية مفتوحة المصدر تواصل طرح الأدلة عن دعم لقوات الدعم السريع، مستندة إلى تتبع شحنات أسلحة وبيانات متاحة للعامة.
وكانت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة قد حققت، في أبريل/نيسان الماضي، في كيفية وصول قذائف هاون بلغارية شُحنت إلى الإمارات إلى أيدي قوات الدعم السريع، بعد ضبطها في نوفمبر/تشرين الثاني بولاية شمال دارفور. وأكد المحققون حينها تطابق الأرقام التسلسلية مع شحنات صدّرتها بلغاريا إلى الإمارات عام 2019، مدعومة بصور ومقاطع فيديو جرى تداولها في ذلك الوقت.
لندن بين الماضي والحاضر
وهكذا، بين “سيلفي” فاخر وواقع مدمر، تروي لوحة واحدة في لندن قصة حرب بعيدة جغرافيًا، لكنها حاضرة بقوة في قلب مدينة تحولت إلى مرآة لصراعات العالم بعد أن اشعلت جذواتها قبل ما يزيد عن نصف قرن من الزمان فلم تنطفئ حتى الآن.
*بتصرف عن اذاعة مونت كارلو الدولية


