الجنوب اليمني:أخبار - عدن
أثارت رواية إدارة أمن العاصمة عدن بشأن مداهمة أحد المنازل في مديرية دار سعد تساؤلات واسعة، بعد ظهور أوامر قبض نشرتها إدارة الأمن تحمل تاريخ 17 أغسطس 2026م، بينما وقعت حادثة الشجار التي قيل إنها ارتبطت بالتحرك الأمني، بحسب الرواية المتداولة، يوم الخميس 27 أغسطس 2026م، بين أفراد من قوات العمالقة وجنود تابعين لمصلح الذرحاني أمام إحدى محطات الغاز.
ويطرح هذا الفارق الزمني تساؤلا جوهريا أمام إدارة أمن عدن: إذا كانت أوامر القبض مؤرخة في 17 أغسطس، فما الواقعة التي صدرت على خلفيتها؟ وإذا كانت عملية المداهمة مرتبطة بحادثة 27 أغسطس، فكيف سبقتها أوامر القبض بنحو عشرة أيام؟
ويكتسب هذا التساؤل أهمية أكبر في ظل الاتهامات التي رافقت الواقعة، والتي تحدثت عن اقتحام منزل وانتهاك حرمته وترويع النساء والأطفال، إضافة إلى ادعاءات بشأن سرقة أسلحة وأموال ووقوع إساءات دينية وسب للذات الإلهية أثناء المداهمة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن بيان إدارة الأمن لم يغلق باب التساؤلات، بل فتح أسئلة إضافية حول التسلسل الزمني للأحداث والأساس الذي استندت إليه أوامر القبض، خصوصا أن التوضيح الأمني تحدث عن بلاغات وشكاوى سابقة وأوامر ضبط وإحضار صادرة عن النيابة العامة، دون أن يوضح بشكل تفصيلي طبيعة الوقائع التي استندت إليها تلك الأوامر وتاريخها.
كما تعيد الواقعة إلى الواجهة سجلا من الاتهامات المنسوبة إلى مصلح الذرحاني، والتي تشمل اقتحام منازل ومساجد وترويع مواطنين واختطاف أئمة مساجد، وهي اتهامات ووقائع متداولة تحتاج إلى تحقيق رسمي ومستقل لإثباتها أو نفيها، ولا يكفي تجاوزها ببيان يقتصر على تبرير عملية أمنية بعينها.
وفي خضم الجدل، أصدرت إدارة أمن العاصمة عدن توضيحا قالت فيه إن النزول الأمني إلى المنطقة لم يكن عشوائيا أو بهدف استهداف أسرة أو انتهاك حرمة منزل، مؤكدة أن العملية تمت برفقة عدد من أعضاء اللجان المجتمعية وأبناء المنطقة، وجاءت على خلفية بلاغات وشكاوى متكررة من سكان الحي بحق شخص مطلوب، إلى جانب وجود أوامر ضبط وإحضار صادرة بحقه من النيابة العامة.
وقالت إدارة الأمن إن الشخص المطلوب سبق أن تكررت منه، وفقا للبلاغات الأمنية، وقائع إطلاق نار في أكثر من مناسبة، الأمر الذي استدعى اتخاذ الإجراءات القانونية والأمنية لضبطه وإحالته إلى الجهات المختصة.
وأضافت أن الأجهزة الأمنية نفذت نزولا إلى المنطقة لضبط المطلوب، إلا أنه أقدم على إطلاق النار، ما أدى إلى إصابة أحد الأشخاص، قبل أن يفر من سطح المنزل مستفيدا من طبيعة المنطقة وضيق مداخل المنازل والأزقة التي لا تسمح بدخول المركبات.
وبحسب أمن العاصمة عدن، فإن الإجراءات التي اتخذتها الأجهزة الأمنية جاءت في إطار تنفيذ أوامر النيابة العامة والتعامل مع بلاغات وشكاوى المواطنين، مؤكدا أن الهدف منها ضبط المطلوبين وحماية المواطنين والحفاظ على الأمن والاستقرار، وليس استهداف النساء أو الأطفال أو أي أسرة بصورة تعسفية.
وفيما يتعلق بالاتهامات الخاصة بالسب والشتم والعبث بالممتلكات وسرقة مبالغ مالية أو أسلحة، قالت إدارة الأمن إن أي ادعاء محدد يمكن التحقق منه عبر الجهات المختصة والتحقيقات الرسمية، مؤكدة أن أي تجاوز يثبت ارتكابه سيتم التعامل معه وفقا للقانون ودون استثناء.
غير أن هذا الرد يترك بدوره أسئلة جوهرية معلقة، أبرزها ما يتعلق بتاريخ أوامر القبض المنشورة، وطبيعة الوقائع التي صدرت بسببها، ومدى ارتباطها بحادثة الشجار التي وقعت في 27 أغسطس، إضافة إلى ما جرى فعليا داخل المنزل أثناء عملية المداهمة.
كما أن الحديث عن وجود أوامر صادرة عن النيابة العامة لا يحسم بمفرده مشروعية جميع التصرفات التي قد تكون وقعت أثناء التنفيذ، إذ إن وجود أمر بالضبط والإحضار لا يعني بالضرورة أن أي تجاوز مزعوم أثناء التنفيذ يصبح مشروعا، وهو ما يجعل التحقيق في ادعاءات انتهاك حرمة المنزل وترويع النساء والأطفال وسرقة الممتلكات أمرا ضروريا إذا كانت هناك شكاوى أو أدلة بهذا الشأن.
وفي المقابل، فإن الاتهامات الموجهة إلى مصلح الذرحاني بشأن إطلاق النار أو غيرها من الوقائع لا يمكن حسمها بالبيانات الإعلامية وحدها، وإنما تحتاج إلى أدلة وتحقيقات وإجراءات قضائية واضحة تكشف حقيقة ما حدث والمسؤولية القانونية لكل طرف.
وبين رواية أمن عدن التي تقول إن العملية جاءت لتنفيذ أوامر ضبط وإحضار والتعامل مع بلاغات أمنية سابقة، وبين الرواية المقابلة التي تتحدث عن اقتحام منزل وترويع وانتهاكات وسرقة ممتلكات، تبقى القضية بحاجة إلى كشف كامل لتسلسل الأحداث والوثائق التي استندت إليها عملية المداهمة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا: لماذا تحمل أوامر القبض المنشورة تاريخ 17 أغسطس، بينما وقعت حادثة الشجار التي يجري ربطها بالتحرك الأمني في 27 أغسطس؟
الإجابة عن هذا السؤال، إلى جانب الكشف عن أصل أوامر القبض والوقائع التي استندت إليها، ونتائج التحقيق في الاتهامات المتعلقة بالمداهمة، من شأنها أن تحدد ما إذا كان الأمر يتعلق بإجراءات أمنية سابقة مستقلة عن حادثة الشجار، أم أن هناك خللا في التسلسل الزمني يحتاج إلى تفسير واضح من إدارة أمن العاصمة عدن.

