الجنوب اليمني:أخبار - عدن
لم تعد ما يعانيه المعاقون وذوو الهمم في العاصمة المؤقتة عدن عدن مجرد تقصير إداري عابر يمكن تجاوزه بالصمت أو الانتظار، فقد تحولت معاناتهم، وفق الشكاوى التي تقدموا بها إلى موقع «الجنوب اليمني»، إلى ملف يكشف حجم الإهمال الذي يطال الفئة الأكثر احتياجًا للحماية والرعاية في صندوق رعاية وتأهيل المعاقين في المحافظة. فهؤلاء الذين يفترض أن تكون المؤسسة المعنية بهم ملاذهم الأول، يقولون إنهم حُرموا من أبسط حقوقهم؛ فلا كراسٍ متحركة وصلت إلى مستحقيها، ولا عكازات، ولا سماعات، فيما تظل احتياجاتهم معلقة، ويظل المعاق حبيس منزله أو أسير عجزه، في الوقت الذي يفترض فيه أن تعمل إدارة صندوق رعاية وتأهيل المعاقين على انتشاله من هذه المعاناة.
وما يجعل الأمر أكثر قسوة أن هذه الشكاوى تأتي في ظل حديث مديرة صندوق رعاية وتأهيل المعاقين، نجوى، عن ميزانية تقارب سبعين مليون ريال شهريًا، وهي مخصصات ضخمة يفترض أن يكون أثرها واضحًا في حياة المعاقين.
وتزداد علامات الاستفهام حول طريقة إدارة هذه الأموال، مع الحديث عن حجز مبلغ يقدر بنحو مليار ونصف المليار ريال، ثم تخصيص مليار ريال لترميم مبنى في دار سعد، في قضية يرى المعاقون أنها تعكس خللًا واضحًا في ترتيب الأولويات. فكيف يمكن أن تُنفق أموال بهذا الحجم على مبنى، فيما لا يجد صاحب الإعاقة كرسيًا متحركًا أو عكازًا أو سماعة؟
إن ترميم المنشآت قد يكون مشروعًا حين يستند إلى حاجة حقيقية ودراسة وتكلفة منطقية وإجراءات قانونية واضحة، غير أن وضع مليار ريال في مبنى، بينما الخدمات الأساسية غائبة عن المستفيدين، يجعل هذا الملف بحاجة إلى كشف كامل أمام الرأي العام والجهات الرقابية. ويحمّل المعاقون المسؤولية السياسية والإدارية للوزير مختار اليافعي ومديرة الصندوق نجوى، باعتبارهما المسؤولين عن إدارة هذا الملف خلال الفترة التي شهدت هذه الوقائع والشكاوى.
ولا يتوقف الأمر عند المال والمبنى، فقد أثار المعاقون أيضًا قضية إبعاد المدير السابق، الذي يقولون إنه كان قد وضع خطة لإنشاء مركز جديد وبدأ العمل عليها، قبل أن يتدخل الوزير مختار اليافعي ويطيح به من منصبه، لتتوقف بعد ذلك الخطة وتتغير مساراتها.
وإذا كانت إدارة الصندوق قد عزلت مسؤولًا كان يعمل على إنشاء مركز جديد لخدمة المعاقين، فإن هذا القرار يستحق مراجعة جادة، خصوصًا إذا كان البديل هو إنفاق مبالغ هائلة على ترميم مبنى قائم، دون أن يشعر المستفيدون بتحسن حقيقي في الخدمات. فالقضية هنا تتعلق بمسار كامل لإدارة أموال وحقوق فئة مسحوقة، وكل قرار إداري يؤثر في هذا المسار يجب أن يخضع لمعيار واحد، وهو مصلحة المعاقين وحقوقهم.
أما الأخطر في الملف، فهو ما نقله المعاقون إلينا عن وجود كشوفات تثبت شراء وتوزيع كراسٍ متحركة، بينما يؤكدون أن أيًا منهم لم يستلم تلك الكراسي، إلى جانب حديثهم عن اختفاء كراسٍ متحركة في ظروف غامضة، مع وجود شبهات لديهم بأنها ربما بيعت أو خرجت من مخازن الصندوق بطريقة غير مشروعة.
وهذه الاتهامات تمثل، في حال ثبوتها، واقعة بالغة الخطورة، لأن الكرسي الذي يفترض أن يصل إلى معاق لا يمكن أن يتحول إلى رقم في كشف أو سلعة في سوق. كما يتحدث أصحاب الشكاوى عن كشوفات وهمية تتضمن شراء عربيات وتوزيعها، فيما يقول المستفيدون إنهم لم يحصلوا عليها.
وهنا تظهر الحاجة إلى فتح الملفات على مصراعيها، وفحص الفواتير ومحاضر الاستلام والصرف والمخزون، لأن الحقيقة لن تحتاج إلى خطابات طويلة؛ يكفي أن يُسأل كل اسم ورد في تلك الكشوفات: أين الكرسي الذي تقول الأوراق إنك استلمته؟
إن ما يحدث، مع الأسف، يكشف مأساة تتجاوز الفساد المالي إلى امتهان كرامة الإنسان. فحين يحصل المسؤول على راتبه ومخصصاته في موعدها، بينما ينتظر المعاق كرسيًا يساعده على الحركة، تصبح المسألة أخلاقية قبل أن تكون إدارية. وحين تتوفر عشرات الملايين شهريًا، ثم لا يجد المحتاج عكازًا أو سماعة، فإن المسؤولية لا يمكن أن تختبئ خلف الإجراءات والمكاتب والأوراق.
والوزير مختار اليافعي ومديرة الصندوق نجوى مطالبان، أمام هذه الشكاوى، بتقديم كشف واضح عن الأموال والمشاريع والمشتريات والتوزيعات، لأن من يدير مالًا مخصصًا للمعاقين لا يملك رفاهية الغموض.
والمعاقون الذين يتحدثون اليوم لم يخرجوا بحثًا عن صراع سياسي، وإنما خرجوا لأنهم لم يجدوا كراسيهم وحقوقهم، ولأنهم يرون أمام أعينهم أموالًا يفترض أنها مخصصة لهم، دون أن يشعروا بأثرها.
إن قضية المعاقين تستحق تحقيقًا ماليًا وإداريًا مستقلًا، لا يخضع للوزارة أو للصندوق أو لأي طرف متهم في الملف، مع مراجعة شاملة لكل المخصصات والمشتريات والمشاريع والكشوفات، والتحقق من مبلغ المليار والنصف مليار ريال، ومن تكلفة ترميم مبنى دار سعد، ومن حقيقة شراء وتوزيع الكراسي والعكازات والسماعات، ومن مصير الكراسي التي قيل إنها اختفت، ومن حقيقة الكشوفات التي يقول المعاقون إنها وهمية.
المعاقون لا يريدون إلا أن تصل الأموال التي خُصصت لهم إلى مستحقيها. يريدون كرسيًا وعكازًا وسماعة، أما ترك الملف في أدراج المكاتب، فهو استمرار لمعاناة أشخاص لم يكن ذنبهم سوى أنهم ولدوا أو عاشوا بإعاقة، ثم وجدوا أنفسهم مضطرين للدفاع عن حقهم في الكرسي أمام من يفترض أنهم وُجدوا أصلًا لحمايته.

