الجنوب اليمني:أخبار
في ظل التحولات المتسارعة في البحر الأحمر، يكشف تقرير استخباراتي يمني عن مشهد مركب تتداخل فيه الأدوار الإقليمية والدولية، مع بروز محور غير معلن يضم تحركات إسرائيلية مدعومة بقنوات إماراتية، يقابله تحرك سعودي مضاد يسعى لإعادة ضبط التوازن وفرض السيطرة على المجال الأمني في الساحل الغربي لليمن.
وتفيد المعطيات أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ممثلة في “الموساد” و”أمان”، بدأت منذ ما قبل 28 فبراير الماضي تحركات استباقية للبحث عن موطئ قدم معلوماتي على الأراضي اليمنية، مستندة إلى قناعة استراتيجية بأن مراقبة التحركات في البحر الأحمر لم تعد ممكنة من خلال القواعد البعيدة أو الأقمار الصناعية فقط، بل تتطلب وجوداً ميدانياً مباشراً على مقربة من مضيق باب المندب.
هذا التوجه ترجم عملياً عبر شبكة وسطاء دوليين على صلة بدولة الإمارات، شملت شركات أمنية وواجهات استشارية ورجال أعمال، عملوا على فتح قنوات اتصال مع قيادات عسكرية وميدانية في الساحل الغربي، خاصة في مناطق المخا وجزر حنيش وزقر، وهي مناطق تخضع لنفوذ “المقاومة الوطنية” بقيادة طارق صالح، الذي يمثل أحد أبرز الفاعلين العسكريين خارج البنية التقليدية لوزارة الدفاع اليمنية.
وبحسب التقرير الذي نشره يمن مونتير، فإن الدور الإماراتي برز كحلقة تمكين أساسية في هذه التحركات، حيث وفرت أبوظبي البيئة اللوجستية والسياسية التي سمحت بتمرير هذه الاتصالات، مستفيدة من شبكة النفوذ التي بنتها خلال سنوات الحرب عبر دعم تشكيلات عسكرية محلية حافظت على استقلالها التنظيمي، وهو ما خلق ما يشبه “المناطق الرمادية” القابلة لعقد تفاهمات أمنية خارج الإطار الرسمي للدولة.
الهدف المركزي لهذه التحركات تمثل في إنشاء شبكة تجسس ورصد متقدمة على الساحل الغربي، تقوم على نشر أنظمة رادارية مصغرة مثل منظومة ELM-2226 ACSR الإسرائيلية، والتي يمكن تمويهها بسهولة داخل مركبات مدنية أو منشآت بسيطة، وتعمل بتقنيات منخفضة الانكشاف تجعل رصدها عبر وسائل الحرب الإلكترونية أمراً بالغ الصعوبة.
ولم يتوقف المشروع عند هذا الحد، بل امتد إلى المجال البحري عبر خطط لزراعة مجسات غاطسة في المياه المحيطة بجزر حنيش وزقر، مرتبطة بمنصات متطورة مثل الغواصة غير المأهولة “Blue Whale”، بما يتيح مراقبة دقيقة لأي تحركات بحرية في المنطقة، وتحويل الساحل اليمني إلى منصة إنذار مبكر تخدم الأجندة الأمنية الإسرائيلية في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي.
هذه المنظومة كانت تُقدّم للفصائل المحلية، خصوصاً تلك المرتبطة بالإمارات، على أنها أدوات دفاعية لتعزيز قدراتها، بينما تمثل في جوهرها امتداداً لشبكة استخباراتية خارجية تُدار عن بُعد، دون بصمات رسمية واضحة، لتجنب التبعات السياسية والقانونية.
في المقابل، برز الدور السعودي كعامل معرقل لهذه التحركات، حيث فرضت الرياض منذ مطلع 2026 إجراءات أمنية مشددة شملت تعزيز انتشار قوات “درع الوطن” في عدن والمناطق الجنوبية والساحل الغربي، إلى جانب إصدار توجيهات تمنع استخدام أو حيازة أي أجهزة اتصال فضائي غير خاضعة لرقابة التحالف.
كما عملت الاستخبارات السعودية بالتنسيق مع نظيرتها اليمنية على تتبع وإفشال أي محاولات لاختراق المجال المعلوماتي، إدراكاً منها أن وجود بنية تجسس إسرائيلية في اليمن يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، فضلاً عن كونه قد يوفر مبرراً لتصعيد عسكري في المنطقة.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير سابقة عن تفكيك أجهزة تجسس ومجسات بحرية في أرخبيل سقطرى، كانت قد أُدخلت خلال فترات النفوذ الإماراتي تحت غطاء مشاريع مدنية، ما يعزز فرضية وجود نمط متكرر من استخدام الغطاء المدني لتمرير تقنيات ذات طابع استخباراتي.
أما على المستوى الداخلي، فإن استمرار وجود تشكيلات عسكرية خارج إطار وزارة الدفاع، وفي مقدمتها “المقاومة الوطنية” بقيادة طارق صالح، شكّل ثغرة رئيسية استغلتها هذه التحركات، حيث أتاح غياب القيادة الموحدة إمكانية التواصل المباشر مع قادة ميدانيين وعقد تفاهمات تقنية دون الرجوع إلى مؤسسات الدولة.
وفي ضوء ذلك، دفعت السعودية باتجاه تسريع عملية دمج هذه التشكيلات ضمن هيكل عسكري موحد، باعتبار أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل الضمانة الأساسية لمنع تحويل الساحل الغربي إلى منصة تجسس إقليمية أو ساحة صراع بالوكالة.
وتخلص القراءة العامة إلى أن الساحل الغربي لليمن بات نقطة تقاطع لمشاريع استخباراتية متنافسة، تتصدر فيها إسرائيل الجانب التقني، وتلعب الإمارات دور الوسيط والمُمكّن عبر نفوذها المحلي، فيما تحاول السعودية إعادة ضبط المشهد ومنع انزلاقه نحو ترتيبات خارج السيطرة، في وقت تظل فيه الفصائل المحلية عاملاً حاسماً في ترجيح كفة أي من هذه المسارات.

