الجنوب اليمني:خاص
تواجه إمارة دبي واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث، مع تزايد تداعيات الصراع الإقليمي المرتبط بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو تصعيد وضع الإمارة أمام تحدي مزدوج يتمثل في احتواء التداعيات الأمنية من جهة، والحفاظ على صورتها العالمية كمدينة آمنة ومركز اقتصادي وسياحي من جهة أخرى.
وأفاد تقرير ميداني نشرته صحيفة ذي إندبندنت بأن الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ التي شهدتها الإمارات خلال الأسابيع الأخيرة نقلت دبي من موقع المتفرج على صراعات المنطقة إلى قلب تداعياتها المباشرة. فقد سقطت طائرات مسيرة في محيط مطار دبي ومينائها إضافة إلى مناطق قريبة من المركز المالي، فيما صدرت تحذيرات يومية للسكان بضرورة الابتعاد عن النوافذ خشية سقوط شظايا الصواريخ أو حطام الطائرات المسيرة.
ووفقا لبيانات وزارة الدفاع الإماراتية فإن الدفاعات الجوية تعاملت منذ بداية التصعيد مع أكثر من 290 صاروخا باليستيا و15 صاروخ كروز إضافة إلى نحو 1600 طائرة مسيرة. ورغم إعلان اعتراض أكثر من 90 في المئة من هذه المقذوفات حتى العاشر من مارس، فإن بعض الحوادث سجلت داخل الإمارة.
ومن بين تلك الحوادث سقوط حطام طائرة مسيرة جرى اعتراضها بالقرب من مركز دبي المالي العالمي حيث شوهدت أعمدة دخان تتصاعد من أحد المباني في المنطقة، كما أصابت طائرة مسيرة أخرى مبنى في محيط خور دبي هاربور، بينما تحدثت تقارير عن ضربة ثالثة في منطقة البدع. ولم تسجل وفيات في تلك الوقائع، غير أن أربعة أشخاص أصيبوا بعد سقوط طائرتين مسيرتين قرب مطار دبي الدولي.
ورغم هذه الوقائع الميدانية، تظهر على شبكات التواصل الاجتماعي صورة مختلفة تماما للحياة في دبي. إذ تنتشر مقاطع فيديو ومنشورات توحي بأن الحياة اليومية تسير بصورة طبيعية داخل المراكز التجارية والمطاعم الفاخرة، في محاولة واضحة للحفاظ على صورة الإمارة كوجهة مستقرة.
وتنتشر هذه المقاطع على منصات مثل إنستغرام وتيك توك حيث يعرض مؤثرون أنشطتهم اليومية ويتحدثون عن مستوى الأمان في المدينة، بينما تتضمن بعض المقاطع لقطات لحاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم مرفقة برسائل تؤكد الثقة في قدرة الإمارة على الحفاظ على الاستقرار.
وبحسب التقرير، تعتمد السلطات بشكل متزايد على المؤثرين وصناع المحتوى في إيصال هذه الرسائل، في ظل نظام تنظيمي يلزمهم بالحصول على تراخيص رسمية للعمل كمؤثرين إعلاميين.
وفي المقابل، شددت الجهات الرسمية القيود على تداول المعلومات المرتبطة بالهجمات. فقد حذر المكتب الإعلامي في دبي من نشر صور أو مقاطع وصفها بأنها مضللة أو غير مؤكدة، مؤكدا أن الجهات المختصة قد تتخذ إجراءات قانونية بحق من ينشر أو يعيد نشر معلومات تعتبرها السلطات غير دقيقة.
وأدى هذا التشدد إلى ملاحقة أكثر من مئة شخص بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية، من بينهم سائح بريطاني اعتقل بعد تصوير صاروخ ظهر في سماء دبي.
وفي تعليقها على هذه الإجراءات، قالت الناشطة الحقوقية رادها ستيرلينغ من منظمة محتجزون في دبي إن هذه الوقائع تعكس تناقضا بين الصورة التي تسوقها دبي كمدينة منفتحة وبين القوانين الصارمة التي قد تؤدي إلى السجن بسبب نشر معلومات تعتبرها السلطات سلبية.
لكن الضغوط لا تقتصر على الجانب الإعلامي. فقد بدأت تداعيات التصعيد العسكري تظهر في قطاعات اقتصادية رئيسية داخل الإمارة، وعلى رأسها قطاع السياحة والطيران والاستثمار.
فقد ألغت شركات طيران دولية عدة رحلاتها إلى الإمارات بينها الخطوط الجوية البريطانية وطيران كندا، كما أعلنت شركة ألاينس للسفر في الشرق الأوسط إلغاء جميع الحجوزات المستقبلية لآلاف السياح القادمين من الولايات المتحدة وبريطانيا.
كما بدأت مؤسسات مالية دولية اتخاذ إجراءات احترازية، إذ أبلغت وكالة بلومبرغ موظفيها بإمكانية العمل من خارج المنطقة مؤقتا، بينما طلب كل من سيتي غروب وستاندرد تشارترد إضافة إلى مجموعة بورصة لندن من موظفيهم في دبي التحول إلى العمل عن بعد تحسبا لأي توسع محتمل في التصعيد.
وتوضح هذه التطورات حجم التحدي الذي تواجهه دبي في هذه المرحلة، إذ تحاول الإمارة الحفاظ على صورتها العالمية كمدينة آمنة ومركز اقتصادي مفتوح، في وقت تفرض فيه التحولات الإقليمية واقعا أمنيا جديدا يختبر قدرتها على التوازن بين إدارة المخاطر وحماية سمعتها الدولية.

