خلف الكواليس كيف أدارت الإمارات أجهزة أمن الجنوب

قرار الدمج الرئاسي يصطدم بنفوذ استخباري إماراتي متجذر

28 يناير 2026آخر تحديث :
خلف الكواليس كيف أدارت الإمارات أجهزة أمن الجنوب

الجنوب اليمني:اخبار

لم تعد الترتيبات الأمنية في عدن والمحافظات الجنوبية والشرقية مسألة داخلية مرتبطة بإعادة ضبط المشهد الأمني بعد التحولات الأخيرة، بل باتت تعكس صراع نفوذ استخبارياً إقليمياً، تتصدره الإمارات العربية المتحدة بوصفها الطرف الأكثر حضوراً في بناء منظومات أمنية موازية للدولة اليمنية خلال السنوات الماضية.

ومع تسارع الخطوات التي تقودها الحكومة اليمنية بدعم من التحالف بقيادة السعودية لإعادة ترتيب الوضع الأمني، يبرز الإرث الثقيل الذي خلّفته أبوظبي في الجنوب والشرق، والمتمثل في أجهزة وقوات محلية ذات ارتباطات مباشرة بغرف عمليات استخبارية خارجية، ما يجعل تفكيكها أو احتواءها تحدياً يتجاوز البعد الإداري إلى حسابات إقليمية دقيقة.

ويُنظر إلى الجهاز الأمني والاستخباري التابع لـ المجلس الانتقالي الجنوبي كأحد أبرز أدوات النفوذ الإماراتي غير المعلن. فمنذ تأسيس المجلس عام 2017، أسست الإمارات جهازاً استخبارياً مستقلاً تحت مسمى “الدائرة الأمنية”، تولى مهام الأمن الداخلي وجمع المعلومات وإدارة وحدات عمليات خاصة وشبكات متعاونين في عدن ولحج والضالع ومحافظات أخرى خضعت لنفوذ الانتقالي.

وتشير معلومات أمنية إلى أن هذا الجهاز لم يعمل بمعزل عن المنظومة الاستخبارية الإماراتية، بل ارتبط بشكل مباشر بوحدات مخابرات كانت تتمركز في جزيرة ميون ومواقع عسكرية في البريقة، ضمن شبكة تنسيق مركزية تتبع أجهزة الاستخبارات في أبوظبي، وهو ما وفر له قدرات تشغيلية متقدمة مقارنة بالأجهزة الرسمية اليمنية.

ووفق مصادر أمنية، تولت الإمارات تدريب عناصر الدائرة الأمنية، وتمويل عملياتها، وتزويدها ببنية تقنية ومعلوماتية مكنتها من العمل كجهاز مخابرات مصغر، موازٍ لمؤسسات الدولة، مع صلاحيات واسعة شملت إدارة أماكن احتجاز وسجون خارج الإطار القانوني، في ظل غياب أي رقابة حكومية.

ويرى مسؤولون أمنيون في الحكومة الشرعية أن أبوظبي صممت هذه البنية لتكون ذراعاً استخبارية مرنة، قابلة للاستخدام كورقة ضغط في أي تسوية سياسية أو إعادة تموضع إقليمي، خصوصاً في الجغرافيا المطلة على أهم الممرات البحرية الدولية في البحر العربي وخليج عدن.

وفي محاولة لاحتواء هذا الواقع، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي مطلع يناير 2024 قراراً بإنشاء الجهاز المركزي لأمن الدولة، ونص على دمج كافة الأجهزة الاستخبارية القائمة، بما فيها الكيانات التابعة للمجلس الانتقالي والتشكيلات المدعومة إماراتياً، تحت مظلة واحدة تتبع القيادة السياسية مباشرة. غير أن رفض الانتقالي تنفيذ القرار، بدعم واضح من أبوظبي، عكس حجم النفوذ الإماراتي داخل هذه المنظومات، وحدود قدرة الحكومة على فرض قراراتها.

ويحذر مراقبون من أن استمرار وجود أجهزة استخبارية ذات ارتباط خارجي، يعمق حالة الازدواج الأمني، ويجعل المحافظات الجنوبية والشرقية ساحة مفتوحة لتقاطعات النفوذ الإقليمي، في وقت تسعى فيه أطراف دولية إلى تحييد هذه المناطق نظراً لأهميتها الاستراتيجية على خطوط الملاحة الدولية.

كما تضم هياكل المجلس الانتقالي لجاناً أمنية تعمل بالتوازي مع الدائرة الاستخبارية، ما يعزز من قدرة الإمارات على إدارة المشهد الأمني عبر وكلاء محليين، دون الظهور كطرف مباشر، وهو نمط عمل استخباري اعتادت عليه أبوظبي في عدد من بؤر الصراع بالمنطقة.

وفي المحصلة، تبدو معركة إعادة هيكلة الأمن في جنوب اليمن أبعد من كونها إجراءً تنظيمياً، إذ تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اليمنية على استعادة قرارها السيادي، في مواجهة منظومة نفوذ استخبارية إقليمية أسستها الإمارات على مدى سنوات، ولا تزال تداعياتها حاضرة في تفاصيل المشهد الأمني الراهن.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق